الجيش الوطني الشعبي

المؤسسة العسكرية في الجزائر بعد خمسين سنة مسيرة العصرنة والاحترافية.. التصدي للإرهاب وحماية الوطن

مسيرة الاستقلال وبناء الدولة في الجزائر مرتبط عضويا بمسار المؤسسة العسكرية التي تركت بصماتها واضحة في جميع المراحل التي مرت بها البلاد خلال الخمسين سنة الأخيرة، مع أن الجدل حول دور الجيش يختلف باختلاف الحقب الزمنية والمراحل التي مرت بها البلاد، من تحصين الاستقلال الوطني، إلى مرحلة المشاركة في صناعة القرار السياسي، وصولا إلى الاحترافية باعتبارها المعركة الجديدة والحيوية للمؤسسة العسكرية في الجزائر.
حظيت المؤسسة العسكرية في الجزائر باهتمام واضح وربما فريد من قبل الدارسين، والكثير من هذه الكتابات لم تنصف هذه المؤسسة ، فالتركيز على الدور السياسي للعسكر، والإفراط في الأطروحات التي تبحث في علاقة الجيش الجزائري بدوائر صناعة القرار، باعتبار المؤسسة العسكرية في الجزائر هي المؤسسة الأكثر صلابة وانضباط، والأكثر تنظيما، بل إن البعض ومن منطلقات سياسية أو إيديولوجية يوصف هذه المؤسسة بأنها صانعة السياسية والسياسيين ودورها محدد لكل أعمال السلطة، ومثل هذه التحاليل فيها إنكار لأدوار أخرى أكثر أهمية قام بها الجيش الوطني الشعبي منذ ميلاده، فمن غير الممكن دراسة المؤسسة العسكرية في الجزائر بمعزل عن التاريخ الثوري للبلد، فتاريخ هذه المؤسسة مرتبط بشكل عضوي بتاريخ البلاد منذ زمن بعيد، أي منذ الثورة، بل منذ الحركة الوطنية التي أثرت هي الأخرى في التوجهات الكبرى وفي فلسفة وعقيدة الجيش الجزائري.
ويبدو التحليل الذي قام به الباحث الفرنسي وليام زرتمان منذ عقود حول طبيعة المؤسسة العسكرية في الجزائر،والذي ارتكزت عليه للعديد من المحاولات الفكرية والإعلامية والدراسات الأكاديمية، في المجالين السياسي والسوسيولوجي، أكثر أهمية والسبب أن زرتمان يعتبر من الباحثين القلائل الذين تطرقوا إلى الجوانب العقائدية للمؤسسة العسكرية في الجزائر، مع أن دراسته انطلقت أساسا من محاولة فهم تدخل الجيش الجزائري في السياسة والعودة إلى العوامل التاريخية وحتى الاجتماعية للجيش الوطني الشعبي لتفسير تدخل العسكر في السياسة، وقد أغفلت هذه الدراسة، حينها محاولات فهم الجوانب العقائدية الإيديولوجية والفلسفية التي جعلت الجيش الوطني الشعبي يحافظ على الحبل السري الذي يربطه بسلفه أي جيش التحرير الوطني.
وتهدف الإشارة هنا إلى مسألة الخلافات الحاصلة بشان تحليل المؤسسة العسكرية في الجزائر، من حيث عقيدتها وتوجهاتها وعلاقاتها بباقي الأنساق داخل النظام السياسي، إلى إبراز مسألة في غاية الأهمية، فمن الخطأ التسليم ببعض الاستنتاجات الموجهة أو المشكوك فيها التي تحاول أن تحمل الجيش الجزائري كل السلبيات والإخفاقات، وتحميلها مسؤولية الأزمات المختلفة التي مرت بها البلاد، ومن ثمة إخفاء الوجه المشرق للجيش الوطني الشعبي الذي ارتبط في مخيلة الجزائريين على الأقل بمعارك مصيرية خاضتها البلاد منذ الاستقلال على طريق تمتين الاستقلال الوطني، والدفاع عن حرمة البلاد، وبناء الوطن، وتقوية مؤسسات الدولة، قبل أن يضطلع الجيش بمهمة في غاية الخطورة تتعلق بمواجهة الأزمة الأمنية والتصدي لظاهرة الإرهاب، وهو الدور الذي لعبه باقتدار، بالتوازي مع المهمة الدستورية المتمثلة في حماية حدود البلاد.

سليل جيش التحرير..

قد يعتبر البعض أن الشعار الذي يرفع »الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني« يندرج ضمن خطاب مرحلة معينة من تاريخ البلاد، كان فيها تلميع المؤسسة العسكرية له صلة مباشرة بتقوية أركان الدولة التي كانت تعتمد بشكل رئيس على العسكر، والحقيقة أن المؤسسة العسكرية في الجزائر هي وليدة مرحلة ثورة التحرير التي استمد منها الجيش في الجزائرية الشرعية التي سمحت له فيما بعد لعب أدوارا أساسية في البناء الوطني، فهناك علاقة عقائدية وسياسية إيديولوجية وتاريخية وثورية بين الجيش الوطني الشعبي وجيش التحرير الوطني، وهناك علاقة عضوية أيضا، فمن الناحية العقائدية ظل توجه المؤسسة العسكرية مرتبط أساسا بالتاريخ الثوري للبلاد، وكل مواقفه تمليها عليه التوجهات المستمدة من المبادئ الأساسية للدولة الجزائرية التي يعود جزء منها إلى ثورة التحرير، وأما من الناحية العضوية فلا يزال الجيش الوطني الشعبي يضم إلى غاية الساعة قيادات عليا هي في الأصل مجاهدين شاركوا إبان الثورة في صفوف جيش التحرير الوطني، وقد شكل المجاهدون القاعدة الأساسية لبناء الجيش الوطني الشعبي، وعليه نكتفي هنا بالإشارة إلى نقاط نعتبرها مهمة لفهم عقيدة الجيش الجزائري، وطبيعة العلاقة التي تربطه بباقي أنساق النظام وبالفضاء السياسي، ومنطلق هذا الفهم يتطلب أولا أن ندرك بان الجيش الجزائري، قد ورث عن جيش التحرير الوطني، الكثير من الأشياء، ففضلا عن المرجعية الإيديولوجية والفكرية، ورث عنه حب التضحية وارتباطه الشديد بالوطن، وعلاقته الوثيقة بالشعب الذي يشكل ركيزته الأساسية، وورث عنه الرجال أيضا، فاللبنة الأولى التي تشكل منها الجيش الوطني الشعبي بعد 62 كانت من المجاهدين الذين واصلوا النضال رسالة جيش التحرير من خلال المساهمة في تأطير الدفعات الأولى من هذه المؤسسة التي أنجبت فيما بعد إطارات عسكرية عالية الكفاءة، لا تزالي في الخدمة إلى حد الساعة.
كتب الباحث الفرنسي جان فرانسوا داغوزان في منتصف التسعينات من القرن الماضي عن دور مؤسسة الجيش في الحياة السياسية في المغرب العربي قائلا »في أي بلد من بلدان المغرب، حتى في ليبيا لا يلعب الجيش دورا أكثر أهمية في الحياة السياسية من الدور الذي يلعبه في الجزائر«، وحسب ر الكاتب الأمريكي وليام كوانت فإن الجيش الجزائري يشكل نمطا خاصا به في علاقته بالسلطة، لا يشبه الأنماط التي سادت في أمريكا اللاتينية ولا شبه القارة الأيبيرية ولا التجربة التركية، وعلى هذا الأساس فإن دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية وتأثيره على مسار التحول الديمقراطي في الجزائر يبدو أعمق بكثير من مجرد تدخل ظرفي لوقف مسار سياسي رأت فيه القيادة العسكرية »تهديدا لمستقبل الجمهورية«.
لقد تطرق وزير الدفاع السابق في عهد الرئيس زروال، اللواء خالد نزار في إحدى حواراته الصحفية إلى إشكالية السياسة والجيش، في إطار محاولاته للرد على الذين يتهمون المؤسسة العسكرية بالتدخل المفرط في السياسة، ويحملونها العديد من الأخطاء التي نتجت عن هذا التدخل، خاصة بعد وقف المسار الانتخابي في جانفي 92، وما ترتب عنه من استشراء العنف ودخول البلاد في دوامة الإرهاب، بان الجيش أرغم على ممارسة السياسة في إشارة واضحة إلى الظروف التي أحيطت بوقف المسار الانتخابي، ولم ينكر نزار تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي وإنما حاول تبرير هذا التدخل الذي له أسبابه وله ظروفه حسب قوله، وبعيدا عن الأطروحات التي تمعن في الحديث عن سطوة العسكر على السياسة في الجزائر، فعلاقة العسكر بالسياسة ضلت عالقة منذ حرب التحرير، وكانت هناك فرصة لفك هذه العقدة إبان ثورة التحرير مع مؤتمر الصومام الذي حاول تكريس توجه طالما دافع عنه الشهيد عبان رمضان »عقل الثورة« والمتمثل في أولية السياسي على العسكري وأولية الداخل على الخارج.
شفرة هذه العلاقة بدأت تفكك شيئا فشيء خلال العشرية الأخيرة، فالاحترافية تشكل من دون أدنى شك الإجابة الشافية والوافية على كل المساعي الرامية لاستعادة السياسي من العسكر، واستبعاد مؤسسة الجيش من القرار السياسي في البلاد، فالاحترافية تعني أولا أن تتقيد المؤسسة العسكرية بأدوارها الدفاعية المحددة في الدستور، وان تترك للمدنيين تسيير الشأن العام، وأن تركز اهتمامها فقط على تطوير كفاءاتها سواء من حيث التسليح أو التدريب أو استعمال أحدث التكنولوجيات والوصول إلى مستوى وكفاءة الجيوش الأكثر عصرنة في العالم.

تضحيات ومواقف..

طغى خلال مرحلة التسعينيات وحتى بعد هذا التاريخ جدل حول مسؤولية ثم حول مواقف المؤسسة العسكرية في ظل التجاذبات الأيديولوجية التي تفجرت بعد وقف المسار الانتخابي، واندلاع مسلسل العنف المسلح، وكثيرا ما كانت توضع قيادة الجيش في هذه المرحلة ضمن ما كان يسمى بالتيار الاستئصالي الرافض لأي شكل من أشكال التفاوض مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، رغم أن قيادة الجيش هي التي أرسلت الرئيس السابق اليمين زروال إلى السجن العسكري بالبليدة للتفاوض مع الرجل الأول في الحزب المحل، الشيخ عباسي مدني، ونائبه الشيخ علي بن الحاج، والواقع أن المواقف المتصلبة من التفاوض مع الإسلاميين وتحديدا مع قيادة »الفيس« المحل، لم تميز المؤسسة العسكرية ككل، وإنما أسماء معروفة من قيادة الجيش يوصفون بـ »الجانفيين«، نسبة إلى وقف المسار الانتخابي الذي كان في جانفي 92.
وما ميز مرحلة التسعينيات فضلا عن النقاش المذكور هو المواجهة الساخنة التي وجد الجيش الوطني الشعبي إلى جانب باقي الأسلاك الأمنية الأخرى، نفسه فيها، أي المواجهة مع ألوية الموت مباشرة بعد اندلاع مسلسل العنف في سنة 92، فوجد العسكر نفسه، بغض النظر عن مواقف بعض قياداته وتورطهم في السياسة، يمارس مهام لم يوجد لأجلها، مهام حفظ الأمن والتصدي للمجموعات الإرهابية التي وصلت في منتصف التسعينيات إلى أقسى ما يمكن تصوره من عنف وهمجية.
ولم تكن الحرب الشرسة التي قام بها الجيش الجزائري ضد المجموعات الإرهابية المختلفة على غرار الجماعة الإسلامية المسلحة »الجيا«، والجماعة السلفية للدعوة والقتال التي تحولت فيما بعد إلى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، فضلا عن تنظيمات أخرى مسلحة، لتمر من دون أن تثير هذه الحرب الكثير من الإشكاليات، ولعل أهمها تلك المرتبطة بأطروحة من يقتل من والتي وجدت في واقع الأمر لبث الضبابية والتشكيك في طبيعة الأزمة الأمنية في الجزائر، ومن ثمة توجيه اتهامات مباشرة للجيش الجزائري بالوقوف وراء المجازر الوحشية التي نفذتها »الجيا« ضد المدنيين في بعض مناطق وسط البلاد، وما الكتابات التي صدرت في الخارج، والتي تبنت هذه الشكوك على غرار كتاب الملازم الأول سوايدية »الحرب القذرة« و»شهادات« تيقا ويوس عن مجازر الرايس وسيدي يوسف وسيدي حماد، إلا أمثلة صغيرة تبين بجلاء شراسة حرب أخرى كانت بعض القوى في الخارج، وخصوصا في فرنسا تحضر لها لضرب مؤسسة الجيش في الجزائر بعد إضعاف الدولة وإدخالها في متاهات الأزمة الدامية، وتتواصل هذه الحرب بأشكال مختلفة، والمحاولات المتكررة للنش في قضية رهبان تبحيرين ترمي إلى نفس الغاية والهدف.
ولا يمكن حصر تاريخ المؤسسة العسكرية في الجزائر في الكفاح المتواصل ضد الإرهاب، فلقد أبلى الجيش الجزائري بلاءا حسنا في حروب دفاعا عن حرمة الوطن، وذودا عن حرمة العرب والمسلمين، وشارك الجيش الجزائري في سنة 67 في حرب الستة أيام »الحرب العربية-الإسرائيلية«، ولا يزال التاريخ يذكر المواقف البطولية للجيش الجزائري المشكل حينها في سواده الأعظم من المجاهدين، وشاركت الجزائر حرب أكتوبر 1973 على الجبهة المصرية بالفوج الثامن للمشاة الميكانيكية ، و هذه بعض إحصائيات لما قدمته الجزائر لهذه الحرب التي كانت هي ثاني دولة من حيث الدعم للحرب بتعداد بشري وصل إلى 2115 جندي، 812ضابط صف، 192 ضابط، ودخل الجيش الجزائري المعركة بـ 96 دبابة و32 آلية مجنزرة، 12 مدفع ميدان، 16 مدفع مضاد للطائرات، وبـسرب من طائرات ميغ 21 وسربان من طائرات ميغ 17، وسرب من طائرات سوخوي 7 ووصل مجموع الطائرات الحربية الجزائرية التي شاركت في المعارك إلى خمسين طائرة.
هذا الجيش هو الذي واجه، مباشرة بعد خروج المستعمر الفرنسي، وبوسائل قليلة جدا العدوان المغربي في حرب الرمال سنة 63، والذي لقن المعتدين دروسا في القتال في مغالا سنة 76، ولا شك أن كل المساعي المحاولات الرامية إلى تشويه صورة هذا الجيش، أو الإنقاص من انجازاته إنما تستهدف الجزائر كدولة، ولا تستهدف المؤسسة العسكرية فقط، ولابد من جهة أخرى أن نبرز ميزة تميز بها الجيش الوطني الشعبي دوما، تتعلق بعقيدته وبالفلسفة الدفاعية المحضة التي تلومه عليها بعض الأطراف الدولية رغبة منها في توريط الجزائر في توترات إقليمية تجلب القوى الأجنبية إلى اقرب نقطة من حدودها، فهذا الجيش، وباستثناء مشاركته بأعداد محدودة جدا في مهام لحفظ الأمن في بعض المناطق من العالم تحت قبعة الأمم المتحدة، كان ولا يزال يرفض أداء أي دور خارج حدود البلاد، ونتذكر جيدا الرافض القاطع للجزائر على مطالبة النيجر من الجيش الجزائري ملاحقة المجموعة الإرهابية التي نفذت اعتداء تمنراست، منذ سنوات، داخل الأراضي النيجر، ويعتبر موقف الجزائر مما يجري على مقربة من حدودها بشمال مالي، برهانا ساطعا على تشبث الجيش الجزائري بعقيدته الدفاعية، فرغم خطورة الموقف تظل الجزائر ترفض التدخل المباشر في شمال مالي، كما سبق لها أن رفض أي شكل من أشكال التدخل في ليبيا إبان الحرب في هذا البلد، رغم الخطورة الكبيرة التي كان يمثلها تنامي المجموعات الإرهابية بالتوازي مع المواجهات الدائرة بين كتائب القذافي ومن يسمون بـ »الثوار«.

مسار الاحترافية..

ترى بعض الكتابات أن مشروع الاحترافية في الجيش الجزائري بدأ عمليا بعد التصريح الذي أدلي به الراحل الفريق محمد العماري لمجلة الجيش والذي جاء فيه بأن المؤسسة العسكرية ليست لها صلاحية صناعة الرؤساء وأنها خارج المنافسة الانتخابية أي أ ليس لها مرشح وليست ضد أي مرشح، وبمعنى أخر أن المؤسسة العسكرية لم تعد تتدخل في المجالات السياسية، وفهم ذلك على أنه إعلان رسمي من الجيش لدخول عالم الاحترافية خاصة أن دستور الجزائر لسنة 96 لم يعط أي دور للجيش في المجال السياسي، ورغم تحفظا البعض، أمكن الملاحظة ولو شكليا بأن حياد المؤسسة العسكرية في الانتخابات الرئاسية وإلغاء الانتخابات داخل الثكنات العسكرية كان حقيقة، وأصبح العسكري يصوت كباقي مستخدمي الأسلاك الأخرى وتدعم هذا بموجب التعليمة الصادرة من قيادة أركان الجيش الشعبي الوطني تخص تعامل موظفي الجيش والأمن والدرك وأعوان الحرس البلدي والمتعاملين في إطار الدفاع الذاتي تلزمه بالحياد التام في التعامل مع أجواء الانتخابات الرئاسية وحركة التصويت.
لقد تراجع دور العسكر في الحقل السياسي بشكل لافت منذ سنة 99، أي منذ وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم والشروع في تطبيق الاحترافية وعزل العسكري عن القرار السياسي، ولم تقتصر الاحترافية في هذه المرحلة على بعض الإجراءات التي تم اتخاذها لإعادة المؤسسة العسكرية إلى مهامها الدستورية، بل تعدى ذلك إلى فتح نقاش ثري لتنقية المؤسسة العسكرية من الأدران التي ألصقت بها عنوة خلال مرحلة مكافحة الإرهاب، وهنا يمكن أن نلاحظ بأن ورشات النقاش التي فتحت حول المفهوم الجديد لمسألة الدفاع الوطني باعتبارها مهمة مشتركة بين العسكر والمجتمع المدني، كل في إطار اختصاصاته، قد سمح بتقديم صورة جديدة عن المؤسسة العسكرية في الجزائر، مؤسسة بدأت تشق طريقها نحو الاحترافية وتحديث ترسانتها من الأسلحة وتنويع مصادرها، ومؤسسة ترفض بأن تنعت بـ »الخرساء الكبرى« أو بـ »الصامتة« لأنها وبكل بساطة بدأت تتكلم، وبدأت تمارس مهامها الاتصالية كباقي المؤسسات الأخرى وأحيانا بكثافة وكفاءة اكبر من بعض مؤسسات الدولة الأخرى.
ففي مقابل بعض التقرير والكتابات أو بالأحرى الحمالات التي كانت تستهدف المؤسسة العسكرية في الجزائر، أنصفت مؤسسات دولية أخرى محترمة الجيش الجزائري ووضعته في مصاف الجيوش الكبرى في العالم، وصنف معهد البحث الإستراتيجي الدولي في بروكسل، وهو معهد مقرب من حلف شمال الأطلسي، الجيش الجزائري ضمن أقوى 20 جيشا في العالم وفي المرتبة الثانية إفريقيا والمرتبة الثامنة بين جيوش الدول الإسلامية، وهكذا دخل الجيش الجزائري نادي الجيوش العشرين الكبيرة من ناحية التسليح والتجهيز، بعد أن كان في المرتبة 54 قبل 15 سنة، وجاء في هذه الدراسة أن الجيش الجزائري ضاعف من إمكانياته القتالية وقدرته على التحكم في التكنولوجيا العسكرية المتطورة خلال 7 سنوات فقط، حيث رفع مخزون الأسلحة الحديثة لديه مرة ونصف خلال الفترة الممتدة بين عامي 2001 و2008 وحل الجيش الجزائري في المرتبة الثانية إفريقيا بعد الجيش المصري، وبعده جاء الجيش المغربي ثم الجيشان الأثيوبي والنيجيري، وبلغ تعداد جنود الجيش الجزائري 325 ألف جندي وأكثـر من ألفي دبابة ونحو 300 طائرة مقاتلة، و160 طائرة نقل أغلبها سوفيتية و180 طائرة هليكوبتر مختلفة المهام، وقالت الدراسة التي صنفت أقوى 50 جيشا في العالم، إن الجيش الجزائري يعرف بانضباطه الشديد ويعد الأكثـر تنظيما في منطقة شمال إفريقيا.
والمؤكد أن الإحصائيات التي قدمها المعهد المتخصص تخص مرحلة زمنية بعينها، فمنذ 2009 زادت مشتريات الجزائر من العتاد العسكري والأسلحة المتطورة، وحسب ما نشر في مجلة »جون أفريك« في أفريل 2009 اعتمادا على إحصاءات تقرير التوازن العسكري الدولي الصادر عن معهد »سيبري«، يملك الجيش الجزائري 237 طائرة قتال من أكثر الطائرات الحربية حداثة، فالعدد الحقيقي لكل المقاتلات الحربية التي تملكها الجزائر اكبر بكثير، خاصة وان الجزائر اعتمدت في السنوات الأخيرة على تطوير أسطولها الجوي بناءا على دراسات عسكرية حديثة تعطي أهمية أكبر للطيران الحربي في حسم المعارك في الحروب الحديثة، ويصنف سلاح الجو الجزائري في المركز الثالث عربياً بعد مصر وسوريا والثاني إفريقيا بعد مصر و19 عالمياً، متقدماً على سلاح الجو السعودي والإماراتي رغم استفادة البلدين من صفقات تسليح غربية ضخمة في السنوات الثلاث الماضية.
 وقال التقرير إن القوات الجوية الجزائرية تطورت بشكل جذري في الفترة الممتدة بين سنوات 2000 و2011، حيث حصلت على 100 طائرة مقاتلة روسية حديثة من الأجيال الجديدة من طائرات سوخوي وميغ وأنظمة رادار روسية ونظام الدفاع الجوي بانسستير و20 طائرة استطلاع من الولايات المتحدة و120 طائرة هليكوبتر مختلفة، وعدد كبير من طائرات النقل، وأشار التقرير إلى أن القوات الجوية الجزائرية تتألف حالياً من 250 طائرة مقاتلة وقاذفة متعددة المهام، منها 150 طائرة خط أول أو حديثة تتألف من مقاتلات ميغ 29 وسوخوي30. وأشادت الدراسة بقدرات سلاح النقل الجوي في القوات الجوية الجزائرية الذي أدار بكفاءة عمليات نقل أنصار الفريق الوطني إلى السودان في خريف عام 2009 . 
ويجري التركيز بشكل لافت على الصفقة الضخمة التي أبرمتها الجزائر مع روسيا بعد زيارة الرئيس الروسي فلادمير بوتين للجزائر سنة 2006، ووصل حجم هذه الصفقة التي صعقت جارنا الغربي، فضلا عن إسرائيل، حوالي 7 ملايير دولار أمريكي، خصصت لاقتناء أسلحة وأجهزة متطورة وأسراب من المقاتلات الحربية من الأجيال الحديث، وتلتها صفقات أخرى أقل أهمية لكنها جاءت دوما في إطار عصرنة الترسانة العسكرية الجزائرية، ولهذا التسلح أسبابه بطبيعة الحال، فالظروف الأمنية والحصار المعلن الذي عانتها الجزائر طيلة عشرية الإرهاب، وشح الموارد المالية بفعل الأزمة الاقتصادية المتولدة عن انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، لم يسمح للجزائر خلال هذه الفترة من مواكبة عملية العصرنة التي تتم بشكل دور ي في جيوش الدول المتقدمة.
لا شك أن كل المحاولات التي نراها هنا وهناك، خصوصا لدى جيراننا المغاربة وبعض حلفائهم الذين يتوجسون خيفة مما يسمونه »التسلح المفرط للجزائر« لا مبرر لها، هدفها تشويه صورة الجزائر وجيشها، رغم أن الجميع يدرك بأن الجيش الجزائري هو جيش شعبي ودفاعي، شرب المثل الوطنية ولا يشبه في شيء الجيوش التوسعية وجيوش الاحتلال التي يوجد البعض منها على مقربة من حدود الجزائر، فكل النفقات التي أنفقتها الجزائر على التسلح وتحديث جيشها هي عادية باعتراف المحللين والدارسين والمتخصصين في القضايا الأمنية والعسكرية، ولقد بلغت مخصصات الجزائر للدفاع بين سنة 1963 و1998 حدود الـ 10 ملايير دولار، وهذا الرقم قليل جدا، وبطبيعة الحال فإن ارتفاع نسبة الإنفاق بداية من سنة 2000 يخضع لاعتبارات أخرى، منها ما ذكرناه سلفا بخصوص الحاجة إلى تحديث الترسانة العسكرية بعد مرحلة شح الموارد والحصار غير المعلن، ومنها ما تعلق بالحاجة إلى أسلحة متطورة في مجال مكافحة الإرهاب.
ولا تتوقف مسالة الاحترافية عند هذا الحد، فللجزائر صناعة عسكرية أيضا ولو لم تكن في مستوى كبير جدا، ففضلا عن تصنيع قطع غيار خاصة بالمقاتلات الحربية وبالدبابات الروسية الصنع، وتطوير المقاتلات والدبابات والمدرعات وراجمات الصواريخ، وتطوير بعض الصواريخ، هناك تصنيع لقطع سلاح الخفيف والثقيل، فضلا عن صناعة فرقاطات حربية من الأحجام المتوسطة، ودخلت الجزائر باب التصنيع العسكري بشكل لافت خلال السبعينات من خلال شراكة مع بعض الدول، وتواصل طريقها على نفس المنوال، لأن الجيوش الحديثة والجيوش المتطورة هي جيوش قارة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المجالات الحيوية التي يعرفها الخبراء العسكريون جيدا.

0 التعليقات :

إرسال تعليق

اضف تعليقك